الشيخ محمد هادي معرفة

66

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

ورد علينا ، لم نلبث دون أن نعمل فيه القواعد المعمولة في كشف المراد الكلاميّ ، ونحكم بذلك أنّه أراد كذا ، كما نُجري عليه في الأقارير والشهادات وغيرهما . كلّ ذلك لكون بياننا مبنيّا على ما نعلمه من اللغة ، ونعهده من مصاديق الكلمات ، حقيقة ومجازا . والبيان القرآنيّ غير جار هذا المجرى ، بل هو كلام موصول بعضها ببعض ، في حين أنّه مفصول ، ينطق بعضه ببعض ، ويشهد بعضه على بعض ، « 1 » كما قاله عليّ عليه السلام . فلا يكفي ما يتحصّل من آية واحدة بإعمال القواعد المقرّرة ، دون أن يتعاهد جميع الآيات المناسبة لها ، ويجتهد في التدبّر فيها . فالتفسير بالرأي المنهيّ عنه أمر راجع إلى طريق الكشف دون المكشوف . فالنهي إنّما هو عن تفهّم كلامه تعالى على نحو ما يتفهّم به كلام غيره ، حتّى ولو صادف الواقع ؛ إذ على فرض الإصابة يكون الخطأ في الطريق . قال : ويؤيّد هذا المعنى ، ما كان عليه الأمر في زمن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فإنّ القرآن لم يكن مؤلّفا بعدُ ، ولم يكن منه إلّا سور أو آيات متفرّقة في أيدي الناس ، فكان في تفسير كلّ قطعة قطعة منه خطر الوقوع في خلاف المراد . قال : والمحصَّل أنّ المنهيّ عنه إنّما هو الاستقلال في تفسير القرآن ، واعتماد المفسِّر على نفسه من غير رجوع إلى غيره ، ولازمه وجوب الاستمداد من الغير بالرجوع إليه . قال : وهذا الغير - لا محاله - إمّا هو الكتاب أو السنّة . وكونه هي السنّة ، ينافي كون القرآن هو المرجَع في تبيان كلّ شيء ، وكذا السنّة الآمرة بالرجوع إلى القرآن عند التباس الأمور ، وعرض الحديث عليه لتمييز صحيحه عن سقيمه ، فلم يبق للمراجعة والاستمداد في تفسير القرآن سوى نفس القرآن . فإنّ القرآن يفسِّر بعضه بعضا ، وينطق بعضه ببعض ، ويشهد بعضه على بعض « 2 » . * * *

--> ( 1 ) - . نهج البلاغة ، الخطبة رقم 133 . ( 2 ) - . الميزان ، ج 3 ، ص 77 - 79 ، وراجع : ج 1 ، ص 10 أيضا .